مرتضى الزبيدي

208

تاج العروس

أو خاصٌّ بالجَحْدِ ، أَي لا يُتَكَلَّم به إِلاَّ مع الجَحْد ، فإن استعمل بغير ما ونحوها فهي مَنْوِيَّة ، على حسب ما يجيءُ عليه أخواتُها وربما حَذفت العربُ حرْفَ الجَحْدِ من هذه الألفاظ وهو مَنْوِيٌّ ، وهو كقوله تعالى " قالوا تالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يوسفَ حتَّى تَكونَ حَرَضاً أو تكونَ من الهالكين " ( 1 ) أَي ما تَفْتا كذا في سائر النسخ ، والصواب : لا تَفتأُ ، كما قدَّره جَميعُ النحاةِ والمُفسِّرين ( 2 ) ، ولا اعتبارَ بما قَدَّرَه المُصنِّف وإن تَبِع فيه كثيراً من اللغويين ، لأنه غَفْلَةٌ ، قاله شيخنا . وقال ساعدةُ بن جُؤَيَّة : أنَدَّ من قارِبٍ دَرْجٍ قَوائِمُهُ * صُمٍّ حَوافِرُه ما تَفْتَأُ الدَّلَجا أراد : ما تَفْتَأُ من الدَّلَج . وفَتَأَ كمَنَع تكون تامَّةً بمعنى سَكَن ، وقيل كَسَر وأَطْفَأَ وهذه عن إمام النحو أَبِي عبد الله محمد بن مالك ذكره في كتابه جمع اللغات المُشْكِلة ، وعزاه أَي نَسَبه للفرَّاء ، وهو صحيح أوْرَدَه ابن القوطيَّة وابن القطَّاع ، قال الفرَّاء : فَتَأْتُه عن الأمرِ : سَكَّنْتُه ، وفَتَأْتُ النَّارَ أطفأتُها وغلِط الإمام أثير الدين أَبو حيَّان الأندلسيُّ وغيره في تَغْليطه إياه حيث قال : إنه وَهَمٌ وتصحيف عن فَثَأَ ، بالثاء المثلَّثة ، قالوا : وهذا من جُملة تَحامُلاتِ أبي حيَّانَ المُنْبِئَة على قُصوره ، قاله شيخنا . [ فثأ ] : فَثَأَ الرجلُ الغَضَبَ كمَنَع ( 3 ) يَفْثَؤُه فَثْأً : سَكَّنَه بِقولٍ أو غيره وكَسَره . وفي الأساس : ومن المجاز فَثَأْتُ غَضَبَه وكان زيدٌ مغتاظاً عليك فَفَثَأْتُه عنك ومن أمثالهم ، أَي اليسير من البِرِّ " إن الرَّثيئَةَ تَفْثَأُ الغَضَب " ( 4 ) انتهى وقد تقدم معنى المثل في رث أو في حديث زيادٍ : لهو أحبُّ إليَّ من رَثيئَةٍ فُثِئَتْ بِسُلالة ( 5 ) ، أَي خُلِطَتْ به وكُسِرَت حِدَّته ، وفَثِئَ هو أَي كفرح : انكسر غَضَبُه وفَثَأَ القِدْرَ يَفْثَؤُه فَثْأً وفُثُؤاً المصدران عن اللّحيانيّّ : سَكَّن غَلَيانها بماءٍ بارد أو قَدْحٍ بالمِقْدَحة ، قال الجَعْديُّ رضي الله عنه : تَفورُ عَلَيْنا قِدْرُهُمْ فَنُديمُها * ونَفْثَؤُها عنَّا إِذا حَمْيُها غَلا بِطَعْنٍ كَتَشْهاقِ الجِحاشِ شَهيقُهُ * وضَرْبٍ له ما كانَ من ساعِد خَلا وكذلك أنشده الجوهريُّ وابن القوطيَّة وابن القطَّاع ، ونَسَبه في التهذيب إلى الكُميت . وقِدْرُهم ، أَي حَرْبُهم . وسَكَّن بالتضعيف ، وغَلَيانَها منصوب على المفعولية ، وفي بعض النسخ بالتخفيف ، وغليانها مرفوع ، وهو غلط ، وتقول : غَلَتْ بُرْمَتُكم فَفَثَأْتُها ، أَي سَكَّنْتُ غَلَيانَها . ومن المجاز : أطْفَأَ فُلانٌ النَّائِرة ، وفَثَأَ القُدورَ الفائِرة ، كذا في الأساس . وفَثَأَ الشيءَ يَفْثَؤُهُ فَثْأً وفُثوءاً سَكَّن بالتضعيف بَرْدَه بالتَّسخين وفَثَأْتُ الماءَ فَثْأً إِذا ما سَخَّنْتَه ، عن أَبِي زيد ، وكذلك كلّ ما سَخَّنْتَه وفَثَأَتِ الشمسُ الماءَ فُثوءاً : كَسَرَتْ بَرْدَه وفَثأَ الشيءَ عنه يَفْثَؤُه فَثْأً : كَفَّه ومَنعه . وفَثَأْتُ ( 6 ) عَنِّي فُلاناً فَثْأً إِذا كَسَرْتَه ( 6 ) عنك بقولٍ أو غيره وفَثَأَ اللَّبَنُ يَفْثَأُ فَثْأً إِذا أُغْليَ فارتفَع له زَبَدٌ ( 7 ) وتَقَطَّعَ من التَّغَيُّرِ فهو فاثِئُ ، عن أبي حاتم ، وجوَّزَ شيخُنا نَصْبَ اللبن . وعدا الرجلُ حتَّى أفْثَأَ أَي أعْيا وانْبَهَرَ وفَتَرَ قالت الخنساءُ : ألا مَنْ لِعَيْني لا تَجِفُّ دُموعُها * إِذا قُلتُ أفْثَتْ تَسْتَهِلُّ فَتَحْفِلُ أرادَتْ أفْثَأَتْ ، فخفَّفَت وأفْثَأَ الحَرُّ : سَكَنَ وفَتَر ، وزعم شيخنا أن فيه إيجازاً بالغاً رُبَّما يُؤَدِّي إلى التخليط وهو على بادئ النَّظر كذلك ، ولكن فَتَر مَعطوفٌ على أعْيا وسَكَنَ ، وما بعده ليس من معناه ، كما بَيَّنا ، فلا يكون تخليطاً ، وأما الإيجاز فمن عادته المَسْلوفَةِ لا يُؤاخذُ في مِثلِه وأفْثَأَ بالمكان : أقامَ به ، يقال : قد نَوَيْتُم المَسيرَ حتَّى ( 8 ) أقمتُم عنه وأَفثَأْتُم ، وأطبقَت السماءُ ثمَّ أفثأَتْ أَي أجْهَتْ وما تَفْثأُ تَفعل كذا بمعنى

--> ( 1 ) سورة يوسف الآية 85 . ( 2 ) بهامش المطبوعة المصرية : أي لأن النحاة ذكروا أن من شروط حذف الثاني أن يكون " لا " ا ه‍ . ( 3 ) في القاموس " كجمع " وفي نسخة " كمنع " . ( 4 ) عبارة الأساس : " ففثأته عنك ، وفي المثل : إن الرثيئة مما يفثأ الغضب " . ( 5 ) مر ، مادة ( رثأ ) وانظر النهاية . ( 6 ) عن اللسان ، وبالأصل : وفثأ عني . . . كسره . ( 7 ) ضبط اللسان : زبد . ( 8 ) الأساس : ثم . ( 9 ) زيد في أساس البلاغة : أي أجهت .